هل يستطيع الأوكرانيون تحويل أوكرانيا إلى “أمريكا ثانية”؟

UA|TV
19.06.11

بقلم: إيفان فيرستيوك

تعودت أوكرانيا على متابعة ما يحدث في الولايات المتحدة عن كثب، متابعة تصرفات الرئيس دونالد ترامب، وكيفية توفير الأسلحة، والحصول على مساعدة مالية للميزانية الأوكرانية الضئيلة، فكل هذه القضايا أقلقت المواطن الأوكراني العادي على مدى عدة سنوات.

ولكن الأوكرانيين لا يعيرون انتباهاً إلى الثقافة الداخلية للمجتمع الأمريكي، وهنا تكمن المشكلة.

لقد أمضيت أسبوعين في رحلات عمل في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وقد أدهشني حقاً إمكانية وجود مثل هكذا مجتمع، من الصعب إيجاد مجتمع غير متجانس أكثر من المجتمع الأمريكي، بعد سيرك لمدة عشر دقائق على الأقدام في وسط نيويورك، ستقابل متحولاً جنسياً أمريكياًَ من أصل أفريقي في ثوب ضيق، ومتقاعدة من أصل صيني تلبس أحذية Dr. Martens، وسائق لأروع سيارة دودج تشالنجر، وعليه وشم متعدد الألوان، وموظف المكتب الكلاسيكي في الملابس من أقرب متجر للملابس الأنيقة لموظفي البنوك، هناك شيء ما يربط هؤلاء الناس ببعضهم، شيء ما يرتبط بمجتمع واحد.

تحدثت إلى أشخاص في نيفادا، أيوا، ونيويورك، وقد فوجئت بمدى ترددهم في الحديث عن السياسة، ربما لأنني أجنبي، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، لا يزال نموذج التواصل الذي لا يتيح  للمرء انتقاد حكومته أمام الأجانب، بينما يلتقط الأمريكيون بشغف أية محادثة حول أي موضوع آخر مثل جودة المطبخ المحلي والكحول والقهوة وماركات السيارات وسلالات الحيوانات الأليفة وتجربة السفر، أي شيء إلا السياسة.

وتكون لدي انطباع أن سر تماسك المجتمع الأمريكي هو بالتحديد تجنبه الحديث عن مواضيع سياسية، بالاضافة إلى الصراعات الأيديولوجية، الأمريكيون لا يهتمون بالسياسة، ولكن توجد استثناءات، هنا أقابل، على سبيل المثال، المدير العام لشركة كبيرة أو مستثمر، ولم يعد بإمكانه تجنب الحديث عن سياسة ترامب في تعليقه على جدول الأعمال الاقتصادي.

في الولايات المتحدة، تتصاعد السياسة كموضوع للمحادثة على نحو متزايد على سلم الرفاه الاجتماعي، وتستقر في الطبقات الدنيا من هذا السلم بمجموعة من الصور النمطية العائدة للحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهذا الأمر يثير الدهشة لأن الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد في العالم، وتشتهر بتقاليدها وقيمها الديمقراطية.

لكن اتضح أن الآلاف، وربما حتى الملايين ممن أتوا إلى أمريكا خلال العقدين الماضيين، جاءوا ليس فقط من أجل الديمقراطية، ولكن من أجل الدولار القوي، فقد جذبهم إليها صورة الشركات الأمريكية المتطورة، وليس مساءلة السياسيين أمام الناخبين، أو النظام القضائي الثابت أوالشرطة الفاسدة، ومن هنا، يبدو لي، أن هناك أزمة في النظام السياسي الأمريكي أدت إلى وصول ترامب لسدة الحكم، بخطابه السهل حول أن أمريكا قبل كل شيء، وحول توفير وظائف لشعب كنساس ويوتا وتكساس، وقادة الحزب الديمقراطي، أيضاً، لا يتميزون بالبلاغة والأفكار الجديدة، إذا ما تابعت على سبيل المثال صفحات نانسي بيلوسي أو كامالا هاريس في الشبكات الاجتماعية.

الأمريكيون يفقدون الاهتمام بالسياسة، ولكن في نفس الوقت تمكنوا من الحفاظ على الترابط داخل مجتمعهم، كلفني الأمر الكثير من العمل لإدراك مدى إمكانية ذلك، إن نظرة العالم الأمريكي الحديث -كما اتضح فيما بعد- ليست مبنية على الإيمان بالمثل الليبرالية أو المحافظة، بل على فهم المجتمع بشكل أوسع، على أساس أن الهجمات الإرهابية شريرة، وعلى الاعتقاد بأنه ينبغي اختيار المهنة والعمل على أساس المصالح والتفضيلات الشخصية، وعلى الثقة بأن النظام التعليمي سوف يوفر للمجتمع المتخصصين في جميع تلك المجالات التي تعمل باستمرار على تحسين نوعية الحياة في هذا القرن.

ويمكن أن يكون هذا الأمر درساً مهماً للأوكرانيين، فلا ينبغي أن ينظر إلى السياسيين من خلال غريزة البقاء، أو الانقضاض على الضحية الضعيفة  ولا يلزم تحليل القضايا السياسية من خلال منظور الظلم العميق ضد المجتمع بأسره بسبب الظلم الذي لحق بفرد، لا أقصد أن أحيط نفسي بجدار من اللامبالاة تجاه الإصلاحات والحكومة وجدول الأعمال الاقتصادي ومكافحة الفساد، ففي السياسة من الضروري عدم الخوض في قضية التعويض عن الظلم الذي يمس شخصك، أو عن رضاك و سخطك على هذه الحكومة، ولكن يدور الحديث عن الإمكانات: التغيير، وفرص التنمية وخلق توازنات جديدة وقوية.

 

تمر الولايات المتحدة بفترة تحول سياسي وأخشى أن يشكل هذا تحديات صعبة لنظام الحزبين والنخبة السياسية، ولقطاع الأعمال التجارية الكبرى، ولعلاقات الولايات المتحدة مع البلدان النامية.

أجندة حياة المواطن الأمريكي العادي لم تعد تنسجم مع منطق الحزب الجمهوري أو الديموقراطي، حيث يرغب هذا الأمريكي العادي في قضاء المزيد من الوقت مع عائلته، أو في حانة مع الأصدقاء أو صيد الأسماك في بحيرة ميشيغان، بدلاً من مشاهدة الأخبار على شبكة سي إن إن أو فوكس نيوز.

من ناحية، فإن عدم مبالاة المواطنين بسياسة الدولة تفاقم من جهلهم بالثقافة السياسية، ولكن من ناحية أخرى، أليس هذا هو الحل الصحيح في البحث عن التوازن بين الحياة والعمل الذي يتحدث عنه علماء النفس باستمرار؟ أليس هذا هو السبب وراء رغبة الناس من شتى البلدان الذهاب إلى الولايات المتحدة بسبب ساعات العمل الطويلة في بلادهم  والتي تصل الى 11 ساعة، بالاضافة إلى وجود نظام عال نسبياً للحد الأدنى للأجور، ناهيك عن الدعم الاجتماعي المرتفع نسبياً.

تشهد أوكرانيا الآن حلقة صعبة في سلسلتها السياسية. وبالتالي، سيكون من الجيد للأوكرانيين أن يفكروا فيما يوحدهم ويجعلهم يجدون لغة مشتركة مع بعضهم، وأيضاً أن المصالح الحيوية بعيدة عن محيط الولاء السياسي للسياسيين والأحزاب والوزراء والنواب.

إذا استطاعت الثقافة السياسية الأمريكية المتطورة خلق عوامل مشتركة دنيا، والتي عملت على توحيد ملايين المواطنين حولها فإن الثقافة السياسية الأوكرانية لديها ضعف هذه العوامل المشتركة.

فمراكز الاقتراع ليس سوى واحدة من الصيغ المعقدة التي تتعارض فيها المصالح الخاصة  للمواطنين الأوكرانيين مع بعض الأمراض المزمنة في العديد من العمليات السياسية.

إن البحث عن القيم المشتركة والرؤية المشتركة لما سيجعل حياة أوكرانيا مريحة في القرن الحادي والعشرين لا يقل أهمية عن عملية التصويت في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية.

الأميركيون -كما يبين التاريخ- يقومون بواجبهم بشكل جيد، فهل الأوكرانيين قادرون على القيام بواجبهم؟

إن ما تحتاجه أوكرانيا حقاً هو أن يتمكن الأوكرانيون من الانتقال من تعقيدات المناكفات السياسية والتحزب إلى المخططات العملية المتمثلة بربط الاستثمارات السياسية بالحوارات الفعالة. أود أن يقدم الأوكرانيون على مثل هذه الخطوة.

المصدر: nv.ua
التاريخ: 19.06.11
التصنيفات: أوكرانيا
المشاركة:
أبرز الأخبار على UA|TV